English     العربية

News

Jan 12, 2016

بين الأجهزةِ الرقابيّةِ والقضاء


بين الأجهزةِ الرقابيّةِ والقضاء

Posted by: Badna Nhaseb

بيان بدنا نحاسب أمام قصر العدل:
بين الأجهزةِ الرقابيّةِ والقضاء

يُفلِتُ سارقو المالِ العامِ من العقاب

يومَ اتّخذنا القرارَ بتقديمِ إخباراتٍ حولَ ملفّاتٍ فيها فسادٌ وسرقةٌ للمالِ العام، كنا على يقينٍ أنّ الفاعلينَ سوفَ يُحاسَبون حمايةً للمالِ العام، لأنّنا مؤمنونَ بدولةِ المؤسّسات، ولأنّنا كنا نُعَوِّلُ على ضمائرِ القضاة.

إلاّ أنّنا فوجِئْنا يومَ عرفْنا بأنّ ملفاتٍ كبيرةً في حجمِ الفسادِ، كملفِّ "سوكلين"، لم تتمَّ محاسبةُ الفاعلينَ فيها بحجّتَيْن: أنّ السلطةَ السياسيّةَ مَنَعَتْ ملاحقةَ أزلامِها، أو أنّ الأجهزةَ الرقابيّةَ لم تقدِّم المستنداتِ اللازمةَ للإدانة.

لأنّنا، يومَ أخذْنا قرارَ مواجهةِ الفسادِ والفاسدين، كنّا نعرفُ أنّنا سنصطدمُ بعقباتٍ وموانعَ، أخذنا قرارًا موازيًا له أنّنا لن نيأسَ.

وبناءً لصفةِ الصبرِ التي أردْنا التحلِّيَ بها حتى محاسبةِ الفاسدين، ذهبْنا إلى الأجهزةِ الرقابيّةِ في ديوانِ المحاسبةِ والتفتيشِ المركزيِّ لمعرفةِ الحقيقةِ، لنُفَاجَأَ بأنّ رئيسَ التفتيشِ المركزيِّ أكّدَ أنّ كلّ الملفاتِ المُحالةِ إلى القضاءِ كاملةٌ، وأنّ التحويلَ تمَّ بمستنداتٍ تُدِينُ المُرتكبينَ بوضوحٍ.

عِنْدَها طَرَحْنا سؤالاً على أنْفُسِنا: أينَ الحقيقة؟

وطالما أنَّهُ تُوجَدُ سَرِقَةٌ فأينَ السارق؟

تذكَّرْنا ما أبلَغَنَا إيَّاه عضوُ هيئةِ التفتيشِ المركزيِّ، المفتّش العام المالي صلاح الدنف، أنّ الهيئةَ المُوكَلَةَ محاسبةَ الموظّفِينَ لم تجتمعْ منذُ أَحَدَ عَشَرَ شهرًا.

فتَأَكَّدَ لنا المُؤَكَّدُ أنّ الفسادَ هو صفةُ السلطةِ السياسيّةِ الحاكمةِ في الإدارةِ والقضاءِ والاقتصادِ، وكلِّ شيءٍ، وليسَ أدلّ على ذلك من موقفَينِ: واحدٍ أعلَنَهُ النائبُ محمد قبّاني، حيثُ اتّهَمَ البارحةَ ديوانَ المحاسبةِ بأنَّهُ يستعملُ ويُقَوْنِنُ لشرعنةِ المُخالفاتِ التي يرتَكِبُها فاسدونَ كبار، واتّهمَ هيئةَ التفتيشِ المركزيِّ بعدمِ معاقَبَتِهِم؛ وآخر لرئيسِ مجلسِ قضاءٍ أعلى سابقٍ وراحل، أوردَ قولَه نقيبُ المحامينَ جورج جريج في مقالٍ نُشِرَ في جريدةِ السفيرِ تاريخ 22/9/2015، عندما قال: "إنّ استقلالَ القضاءِ في لبنانَ وَهْمٌ، لأنَّ القضاءَ هو مجرّدُ أداةٍ بيدِ السياسيّينَ يتدخّلُونَ فيه".

إنّنا، وأمامَ ما ذَكَرْنَا، نتوجَّهُ برسالةٍ في اتّجاهَيْن:

الاتّجاهُ الأوّلُ نحوَ المؤسّساتِ الرّقابيّةِ التي عليها القيامُ بدورِهَا بصورةٍ صحيحةٍ، بالسهرِ على الأموالِ العموميّةِ والأموالِ المُودَعَةِ في الخزينةِ بمراقبةِ استعمالِ هذه الأموال، ومدى انطباقِ هذا الاستعمالِ على القوانينِ والأنظمة، ومحاكمةِ المسؤولينَ عن مخالفةِ القوانينِ والأنظمةِ المتعلّقةِ بها، ومراقبةِ أعمالِ الإداراتِ الرسميّةِ ومَسْلَكِيَّةِ العاملينَ فيها، وتحسينِ العملِ الإداري، وتولِّي أعمالِ المناقصاتِ والمزايَدات، وإحالةِ المُرْتَكِبِين لجُرْمِ اختلاسِ المالِ العامِّ أمامَ النياباتِ العامّةِ المُختَصّة، وإلاّ اعتُبِرَتْ تلكَ الأجهزةُ شريكَةً في الفساد، وتُغَطّي السلطةَ السياسيّةَ في نهبِ المالِ العام.

الاتّجاهُ الثاني نحو القضاء، نخاطِبُهُ عبرَ مجلسِ القضاءِ الأعلى لنقولَ لهُ إنّ حقّنا عليك كمواطنين هو مكافَحَةُ الفسادِ ومحاسَبَةُ المسؤولينَ عن سَرِقَةِ المالِ العامِّ دونَ الرضوخِ لضغوطاتِ السلطةِ السياسيّة، وفضحُ تدخّلِهِم، وإلاّ كان القضاءُ أيضًا مشاركًا في الفساد، أو على الأقلّ ساكتًا عنِ الحقّ.

واجبك أمامنا أيضًا إصلاحٌ جادٌّ في القضاء، يبدأُ أوّلاً بإصلاحِ مجلسِ القضاءِ الأعلى وتعزيزِ استقلالِهِ الماليّ، وتحصينِهِ كسلطةٍ مستقلّة، من خلالِ اعتمادِ حمايةٍ قانونيّةٍ تَقِي القُضاةَ مِنَ النقلِ الاستنسابيِّ أوِ العزلِ التعسّفِيِّ خاصّةً في القضايا الأساسيّةِ المتعلّقةِ بالفساد.

وثانيًا رفعُ الغطاءِ السياسيِّ والطائفيِّ عن القضاة، وملاحقةُ كلِّ قاضٍ مُرْتَكِبٍ جزائيًّا إضافةً إلى مجموعةٍ من الإصلاحاتِ الضروريّةِ التي لا يَسَعُها هذا البيان.

إنّنا اليومَ ما زِلْنَا ننتظرُ التّرياقَ عن طريقِ المؤسّسات، وعلى رأسِها القضاء، أمّا غدًا، فإذا تمّ تمييعُ الملفاتِ وإفلاتُ الفاسِدينَ من العِقَاب، فإنّنا سوفَ نُسَمّي الأمورَ بأسمائِها، من الفاسِدِينَ والمُفْسِدِينَ والمُتآمِرينَ والمُقَصّرين في مُواجَهَةِ الفساد؛ ولن نُعْدِمَ وسيلةً في بلوغِ الحقِّ والحقيقة، واعْلَمُوا أنّه لن نسمَحَ بأن تُرمى في الشارع حُقوقُنا بقضاءٍ عادلٍ ونزيهٍ ومُسْتَقِلٍّ نظيف وإدارةٍ تقومُ بواجِباتِها، لتُضافَ إلى النفايات، فحقُّنا بقضاءٍ عادلٍ ونزيهٍ ومُسْتَقِلّ، لن يُطْمَر، ولن يُحْرَق، ولن يُرَحَّل، بل سيُفْرَزُ هذا الحقُّ عنِ الباطِل، وسيتحَوَّلُ كرةَ ثلجٍ تَكبُرُ كلَّ يوم، حتى تُطِيْحَ بالفاسِدِينَ مهما عَلا شَأْنُهُم طالما بَقِيَ فينا عِرْقٌ يَنْبُض.

--------------------------------------------------

Sharing is Caring